08 Feb
08Feb

لم ينسلخ "عمرو" من جلده، بل حاول الهرب من "الازدحام". في مدينته القديمة، شعر أن خصوصيته جدار مهدم؛ الكل يعبره، والكل يترك أثرًا من غباره عليه. ظلَّ يحلم بفرانكفورت كأنها "غرفة عازلة للصوت"، مكان يمنحه أخيرًا الحق في أن يكون "بمفرده".

في الأسبوع الأول، عاش عمرو نشوة الانتصار. كانت شقته في ضواحي المدينة تشبه مختبرًا معقمًا؛ كل شيء في مكانه، والهدوء يغلف الجدران كطبقة من القطن. راح يراقب الجيران من خلف زجاج نافذته؛ يتحركون بآلية مدهشة، يغلقون أبواب سياراتهم بنقرة خفيفة لا تخدش السكينة، ويمضون دون أن تلتقي أعينهم. همس لنفسه بزهو: هنا، أنا أملك نفسي أخيرًا.

لكن مع مرور الأيام، بدأت تلك السكينة تتحلل. في البدء، صار يضبط نفسه وهو يطيل الوقوف أمام النافذة، منتظرًا أن يلمح "خللًا" ما؛ ذبابة تطن، قطة تموء، أو جارًا يرفع صوته، لكن شيئًا لم يحدث.

وبحلول اليوم العاشر، ومع ازدياد وطأة الصمت حوله، بدأ صوت تكتكة ساعة حائط قديمة تركها صاحب الشقة الألماني يجرح سكونه ويزعجه. لم تعد مجرد ساعة؛ صارت "بندولًا" يضرب رأس الصمت بانتظامٍ كئيب. في البدء، سمع (تِك) خفيفة، لكنها في جوف الليل تحولت إلى طرقات مطرقة على سندان. صار "عمرو" يضبط نبض قلبه على إيقاعها، وشعر برعبٍ غامض من أن توقفها المفاجئ قد يعني توقف وجوده شخصيًا. اكتشف أن الفراغ، حين يطول، لا يظل فراغًا، بل يتحول إلى مادة خانقة، وصوت الساعة هو الأكسجين الوحيد المتاح، لكنه أكسجينٌ مسموم بالرتابة.

نزل إلى الحديقة المجاورة هربًا من جدران شقته التي بدت وكأنها تضيق. وجد الحديقة منسقة بشكل يثير الرهبة؛ الأشجار متساوية الطول، والمقاعد الخشبية تخلو من أي خربشة أو ذكرى لشخص جلس هنا قبله. جلس، وبشكل لا إرادي، بدأ يحك سطح المقعد بأظافره، فقط ليحدث صوتًا؛ ليثبت أن هناك مادة صلبة تحت يده.

تسلل إليه حنين مباغت لتلك "القذارة الدافئة" التي هرب منها؛ افتقد زحام الحافلة الذي أجبره مرارًا على استنشاق عرق الغرباء ورائحة الدخان المنبعثة من أفواههم، وافتقد حتى غضب الجيران الذي ذكره دومًا بأنه حي يُرزق وسط البشر. هنا، يبدو كل شيء "كاملًا" لدرجة الموت.

لم يعلم أن جلوسه الصامت، وعيناه اللتان تجوبان الفراغ، قد أثارا قلق "النظام" القابع خلف الستائر. اقتربت سيارة الشرطة بنعومة مرعبة. ترجل منها شرطيان؛ أحدهما شاب شاحب ذو عينين زرقاوين باهتتين، والآخر أكبر سنًا، يرتدي قفازات جلدية سوداء تلمع تحت شمس الشتاء. انحنى الأكبر سنًا ليرى وجه عمرو، ونطق بنبرة مهذبة تحمل حدة النصل:

- هل تنتظر أي شيء؟ 

لم تكن الكلمة استفسارًا، بل كانت "تدقيقًا". حاول عمرو أن يبتسم، لكن عضلات وجهه كانت قد تيبست من قلة الاستخدام. 

- لا.. أنا فقط.. أستمتع بالهدوء. 

تبادل الشرطيان نظرة سريعة. فرك الشرطي الشاب حزام سلاحه بإبهامه في حركة روتينية مشدودة، بينما قال الأكبر بنبرة خلت من أي تعاطف: 

- هذا ليس مكانًا للانتظار الطويل أو التسكع في هذا الوقت؛ سكان الحي قلقون. هل تسمح لنا بالاطلاع على هويتك؟

بينما همّ عمرو بإخراج بطاقته، لاحظ رجفة طفيفة في يد الشرطي الشاب وهو يتناولها. أدرك عمرو حينها المفارقة: هؤلاء الناس الذين قدسوا الخصوصية، يرتعبون من أي شخص "يمارسها" خارج الأطر المرسومة. 

في مركز الشرطة، تحت أضواء النيون التي تمنح الوجوه لونًا شاحبًا، جلس عمرو على مقعد بلاستيكي صلب. داهم وقع أقدام الشرطي الأكبر على الأرضية النظيفة اللامعة أذنه؛ ليعيد إلى ذهنه دقات ساعته في الشقة؛ نفس الإيقاع الرتيب، البارد، والمقدس الذي لا يرحم. نظر إلى انعكاس صورته في المرآة؛ بدا نظيفًا، هادئًا، ومنكسرًا. 

في تلك اللحظة، ولأول مرة، لم يتخيل تفاصيل بلاده بصورة رومانسية، بل تخيل "الضجيج" يُلح على نفسه. تمنى لو أن أحدًا الآن يصرخ في الحديقة، أو يطرق باب مسكنه بعنف، أو يطلب منه ولاعة بفضول مزعج. فتح عينيه، فرأى الشرطي يعيد إليه هويته بابتسامة آلية باردة: 

- يمكنك الانصراف، لكن حاول ألا تثير القلق مجددًا. 

خرج عمرو إلى الشارع، والضباب يلف المباني والأشجار. مشى بخطى سريعة، ليس عائدًا إلى شقته، بل باحثًا عن أي زاوية في هذه المدينة العظيمة قد يجد بها علبة بلاستيكية فارغة أو بقايا وجبة بيتزا على مقعد حديقة، أو أي شيء يثبت له أنه لم يمت بعد في هذا العالم المعقم.


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.